مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
219
تفسير مقتنيات الدرر
إنّ اليهود قالوا : إنّا نحاجّ عند ربّنا من خالفنا في ديننا ، فبيّن اللَّه أنّهم المغلوبون المدحضون وأنّ المؤمنين هم الغالبون والمراد من « الفضل » في الآية النبوّة ، وقيل : نعم الدنيا والآخرة . * ( [ يُؤْتِيه ِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّه ُ واسِعٌ عَلِيمٌ ] ) * علَّقه بالمشيّة بسبب سعة علمه بمصالح الأمور وهو تعالى واسع المقدور . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 74 ] يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِه ِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّه ُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 74 ) يجعل رحمته لمن يشاء ويكون محلَّا وقابلا للرحمة وهذا كقوله : « اللَّه ُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَه ُ » « 1 » وفي مضمون الآية إشارة إلى الاحتراز من الحسد فإنّ الحسد حمل أحبار اليهود على مثل هذا الإنكار من تصديق نعوت النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله ولأنّ تصديقهم إيّاه صلَّى اللَّه عليه وآله كان مانعا لهم من جمع المال وحصول الجاه والقبول عند أرباب الدنيا . قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : ثلاث هنّ أصل خطيئة فاتّقوهنّ : إيّاكم والكبر فإنّ إبليس حمله الكبر على أن لا يسجد لآدم ، وإيّاكم والحرص فإنّ الحرص يحمل الإنسان على الانهماك في الدنيا ، وإيّاكم والحسد فإنّ ابني آدم قتل أحدهما صاحبه حسدا ، وبئست الخصلة الحسد . قال أمير المؤمنين : قاتل اللَّه الحسد ما أعدله بدأ بالحاسد قبل المحسود . قال الأصمعيّ رأيت أعرابيّا أتى عليه مائة وعشرون سنة فقلت : ما طوّل عمرك ؟ فقال : تركت الحسد فبقيت . ومن علامات الحاسد أن يتملَّق إذا شهد ويغتاب إذا غاب ويشمت بالمصيبة إذا نزلت قال الشاعر : وإذا أراد اللَّه نشر فضيلة طويت ، أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاوزت ما كان يعرف طيب عرف العود وعلاج إزالته عن النفس بكثرة الأذكار والانقطاع إلى اللَّه وإنّ تباين مقامات أفراد الإنسان في الصفات الفاضلة رحمة لهم ولم يكن ذلك إلَّا بتقدير العزيز العليم فالحاسد على الحقيقة يعارض الحقّ ومعنى حسده أنّه تعالى أنعم على من لا يستحقّ تعالى عن ذلك
--> ( 1 ) الانعام : 124 .